الجمعة 10 تموز 2020 الموافق لـ 19 ذو القعدة 1441

"الكورونا" بين النعمة والنقمة

بقلم آية الله العلامة الشيخ يوسف السبيتي العاملي

إنّ من أجلى وأظهر الأهداف الإلهية في الخلق هو اعتراف المخلوق بخالقه وعدم الشرك به وشكره على ما أسبغ عليه من النعم التي لا تُعدّ ولا تُحصى، وبعدها يتّبع الإنسان التوجيهات الإلهية والتكاليف السماوية التي من شأنها تحقيق العدالة الإجتماعية، ونشر الحب والتكافل والرحمة والسلام بين الناس، ليكونوا سواسية كأسنان المشط الفقراء والأغنياء والوجهاء والضعفاء وسائر الطبقات والشرائح والأطياف، فلا يعتدي أحدٌ على أحدٍ ولا يظلم أحدٌ أحداً.

وعندما يستفحل الظلم والبغي والفساد الأخلاقي والسياسي والإقتصادي، ولا ترعو الناس عن غيّهم وفسادهم ولا يرتدعون عن ظلمهم للآخرين وهضمهم لحقوق الضعفاء، فإننا نرى أن الله قد أنزل البلاء وإذا نزل البلاء عمّ وشاع، سواءٌ أكان للظالمين أو للمظلومين وللمستكبرين أو المستضعفين. فأمّا الظالم والمستكبر فالهدف من ابتلائه واضح، وأمّا المظلومون والمستضعفون فلركونهم إلى الذين ظلموا فتمسّهم النار جميعاً.

ونار الله في الدنيا هو ابتلاء الخلق بشيء من الخوف والجوع و"نقص من الأموال والأنفس والثمرات ..." لعلهم يحذرون.

وعودٌ على بدء في عنوان الموضوع، فإنه عندما يظهر الفساد في البرّ والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون. ومن هنا نرى أنّ في الابتلاءات وإن كان ظاهرها النقمة إلاّ أنّ باطنها فيه الرحمة والنعمة، ومنها:

1. الرجوع إلى الله تعالى وإلى وصاياه والكفّ عن الفساد، فإنّ جرثومة حقيرة تكاد لا تُرى بالعين المجرّدة قد جرّدت الجبابرة وأدعياء العظمة وقوّة التطور الميكانيكي والمعلوماتي في الطبّ وغيره عن مظاهر الاستكبار والتحدّي للعظمة الإلهية، ليجدوا أنفسهم ضعافاً لا يلوون على شيء أمام أحقر الجراثيم خسّة وضعفاً.

2. التوقف عن ارتياد مجالس الفسق والفجور والمجون وسائر وجوه الفساد من مجالس القمار والزنا وشرب الخمر وأكل الميتة ولحم الخنزير خوفاً من انتشار الجراثيم فيها واقتصروا على الطعام النظيف النقيّ.

3. التجاء الناس للاهتمام بالنظافة والتعقيم والطهارة.

4. دفع الناس باتجاه الاعتقاد بإحدى المظاهر الإلهية في يوم القيامة "يوم يفرّ المرء من أخيه وأمّه وبنيه ...".

5. فرض واقع الحال في المساواة بين الأغنياء والفقراء في الهمّ والمصيبة والبلاء، حيث لا ينفع مال الأثرياء في هكذا ابتلاء ولا ينفع مالٌ ولا بنون إلاّ منْ أتى الله بقلب سليم.

6. كبح جماح الشهوة والتفلّت الأخلاقي ورجوع أفراد الأسرة إلى الإجتماع والتعرّف على بعضهم بعضًا لاصلاح الخلل، والتوجه نحو بناء غدٍ أفضل.

7. انبعاث روح التكافل والتعاضد والتضامن بين أفراد المجتمع وبه يتماثل الناس للشفاء من روح التباعد والتباغض والشحناء.

وغيرها الكثير من الوجه الآخر لهذا البلاء مما تكثر فوائده، وتتجلى أنعم الله على خلقه.