الثلاثاء 12 تشرين الثاني 2019 الموافق لـ 14 ربيع الأول 1441

قانون العلية والمعلولية ورجوعه الى التشؤن لدى العارف

إنّ البحث في الوحدة الشخصية لحقيقة الوجود من المباحث المهمة التي تعتبر من أهم المباحث في العرفان النظري إن لم تكن أهمها على الاطلاق، وهذا البحث في الواقع هو المسألة الاساس في العرفان النظري والتي تبتني عليها كل مسائل العرفان النظري في إثبات الذات الالهية المقدسة وإثبات الاسماء الالهية وإثبات الفعل الالهي والآثار الالهية المفاضة من الفعل الالهي المسمى بالفيض المنبسط لدى أهل العرفاء وأهل الشهود.

ما حاول صدر المتألهين أن يثبته في الجزء الثاني من كتاب الاسفار إنما كان جسراً للعبور من الفلسفة المشائية الى العرفان النظري وما يقوله العرفاء في حقيقة الوجود، فقد حاول صدر المتألهين أن يثبت أن ما يدعيه المشاؤون من الكثرة التباينية في حقيقة الوجود لا أساس له وهو مخالف للقواعد الحكمية المبتنية على اساس اصالة الوجود واعتبارية الماهية والذي هو مبنى الفلسفة المشائية، ولكن حيث ان ابن سينا واعلام المشائين لم يلتفتوا الى كثير من المطالب التي التفت إليها صدر المتألهين لم يستطيعوا أن يفهموا حقيقة مبحث أصالة الوجود ومدى أهمية هذا المبحث في فهم المطالب الفلسفية المتعددة، وهذا انما استفاده صدر المتألهين من كلمات العرفاء والقرآن والسنة الشريفة وهو ما لم يكن بمقدور ابن سينا أن يحيط بمبانيه الكاملة.


ولكن حيث ان صدر المتألهين قد عمل على الغوص في المباني المتعددة لكشف الحقائق الوجودية وأسس معرفته على أساس القرآن والعرفان والبرهان، فقد كان اقدر من غيره على كشف الحقائق الوجودية واقامة الدليل العقلي عليها، ومسألة الوحدة الشخصية لحقيقة الوجود من المسائل التي تأثرت كثيراً في مقام اثباتها على هذا المنهج المختص بالحكمة المتعالية.

ان فهم المنهج الخاص بالحكمة المتعالية يعتبر أساساً في فهم مسائل الحكمة المتعالية وخصوصاً مسألة الوحدة الشخصية وذلك حتى يتيسر لنا فهم المدارك المنهجية التي أسس على أساسها صدر المتألهين هذه المسألة.

ثم إن مسألة أصالة الوجود هي الاساس في فهم الوحدة الشخصية لحقيقة الوجود وذلك أنه لو كانت الماهية هي الاصيلة دون الوجود، لما أمكن أن يتصور أي نحو من أنحاء الوحدة فضلاً عن الوحدة التي هي أرقى أنماط الوحدة وهي الوحدة الشخصية وذلك أن الماهية كما قالوا مثار الكثرة والتباين وما هو مثار الكثرة والتباين لا يمكن أن تؤسس الوحدة على أساسه.

إن صدر المتألهين حتى يصل الى اثبات الوحدة الشخصية لحقيقة الوجود طوى مراحل العلية والمعلولية ومستوياتها بحيث أن أساس العلية والمعلولية كان مؤسساً على مبنى إبن سينا على أساس الكثرة التباينية لحقيقة الوجود، وعلى هذا الاساس لا يمكن أن يؤسس أساس العلية والمعلولية بين الواجب والممكنات فضلاً عن الوحدة الشخصية لحقيقة الوجود، وذلك أن فرض العلية والمعلولية بين الواجب والممكنات هو فرض للسنخية بين العلة والمعلول حتى يفاض هذا القدر المشترك من العلة الى المعلول، وأما صدر المتألهين فقد جعل الامر الاساس لحقيقة العلية والمعلولية مبتنياً على أساس الوحدة لحقيقة الوجود ومنه السنخية بين العلة والمعلول، ثم ترقى في فهم حقيقة العلة والمعلول والرابطة بينهما.


هذا الترقي مؤداه أن الفلاسفة بحثوا فيما بينهم أن ملاك احتياج المعلول الى العلة هو الامكان دون الحدوث الزماني كما سوف يتضح في طيات البحث العلمي اللاحق، ولكن هذا الامكان تارة يكون هو الامكان الماهوي بنحو تجعل الماهية هي ملاك احتياج المعلول الممكن للخروج من حد الاستواء الى حد الفعلية والضرورة للتحقق، وأخرى أن الامكان لا يكمن في الماهية لأن الماهية اعتبارية وليست أصلية ولا يمكن لها أن تؤسس ملاك احتياج المعلول الى العلة لأن ملاك الاحتياج أمر حقيقي وليس أمراً اعتبارياً. فمن اللازم حينئذ أن يكون الامكان الذي هو ملاك احتياج الممكن المعلول الى العلة هو في امر أصيل وليس ذلك الا الوجود، فتأسس صدر المتألهين أساساً في ملاك الاحتياج هو الامكان الفقري الوجودي وهو في نفس الوجود بمعنى أن ملاك احتياج المعلول الى العلة هو نفس فقر الوجود المتعلق بغنى الوجود المتحقق في الواجب تعالى.


وبعد أن يفهم هذا الاساس في حقيقة ارتباط الممكن بالواجب يحاول صدر المتألهين أن يدقق النظر في حقيقة هذا الفقر الوجودي للمعلولات الامكانية فيقول أن هذا الفقر الوجودي ليس الا ظهوراً لذاك الغنى الوجودي فيما لو ظهر له بعض الشؤون الوجودية لأن كل ما يكون من كمال في هذا الوجود الامكاني الفقير ليس له أصل وذلك أن الفقر لا يمكن أن يكون له شأن وجودي فضلاً عن الوجود، فجعل صدر المتألهين هذا الفقر المطلق لحقيقة الممكن ظهوراً لما في الواجب من شؤون وجودية يمكن أن تظهر في العوالم الإمكانية.


ثم أني رتّبت هذه الرسالة على مقدمّة وعدّة فصول وخاتمة:

وأما المقدمة فهي المنهج المتبع لدى صدر المتألهين في تحقيق العلية والمعلولية على مبنى الحكمة المتعالية.
وأما الفصول فهي في بعض أحكام الوجود العامة من بداهة مفهوم الوجود واشتراكه المعنوي واصالة حقيقة الوجود ومن ثم البحث في الوحدة التشكيكية لحقيقة الوجود في قبال بعض الاقوال من قبيل الكثرة التباينية لحقيقة الوجود عند المشائين. ومن ثم البحث في العلية والمعلولية وملاك احتياج المعلول الى العلة، وتحقيق الحال في طبيعة الامكان الذي هو ملاك الاحتياج وهو الامكان الفقري، وفي النهاية يبحث في رجوع هذه العلية والمعلولية الى التشأن والظهور كما يقول به العارف الواصل، ويبحث في تفصيلات هذا الظهور والتشأن لحقيقة الوجود.


وفي الخاتمة، يُبحث في مراتب الوجود والظهور لدى العارف الكامل الامام الخميني اسراره الزكية.